سيد محمد طنطاوي
249
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره في أحكامه فقال : * ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ) * . أي ، فمن لم يجد منكم - أيها المؤمنون - رقبة يعتقها ، أو يجد المال الذي يشترى به الرقبة فيعتقها . . فعليه في هذه الحالة ، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر . * ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) * أي : فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين ، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه في هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا ، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغدائهم وعشائهم بصورة مشبعة . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه ورَسُولِه ) * إشارة إلى ما سبق الحديث عنه ، من تشريع يتعلق بالظهار . ومحله إما الرفع على الابتداء ، أو النصب بمضمر معلل بما بعده . أي : ذلك واقع ، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم باللَّه ورسوله ، وعملكم بشريعة الإسلام ، وتنفيذكم للتكاليف التي كلفكم اللَّه - تعالى - بها . * ( وتِلْكَ حُدُودُ اللَّه ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * أي : وتلك الأحكام التي ذكرناها لكم هي حدود اللَّه - تعالى - التي لا يجوز تعديها ، فالزموها وقفوا عندها ، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها ، عذاب شديد الألم على من ينزل به . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - أن الدعاء متى صدر عن لسان صادق ، وعن قلب عامر باليقين . . أجابه اللَّه - تعالى - لصاحبه في الحال أو في الوقت الذي يريده - سبحانه - . والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبة ، عندما تضرعت إلى اللَّه - تعالى - بالدعاء ، أن يكشف كربها ، وأن يحل قضيتها . . أجاب - سبحانه - دعاءها ، وأنزل قرآنا يتلى ، وأحكاما يعمل بها في شأن الظهار . ورضى اللَّه عن السيدة عائشة فقد قالت : الحمد للَّه الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسوله اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأنا في ناحية البيت . ما أسمع ما تقول ، فأنزل اللَّه - عز وجل - : * ( قَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها . . . ) * الآيات . وقال القرطبي : « المرأة التي اشتكت هي خولة بنت ثعلبة . . وقد مر بها عمر بن الخطاب في خلافته ، والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميرا ، ثم قيل لك يا عمر ، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين ، فاتق اللَّه يا عمر ، فإن من أيقن بالموت خاف